Informatin overload

01/14/2013 07/22/2016
قبل عشرين عاماً تقريباً، كان إجمالي عدد المواقع على الشبكة العنكبوتية لا يتجاوز 130 موقعاً، لم يكن لمحرك البحث "جووجل" وجود في ذلك الوقت. كنا نحتاج إلى توقيع عقد شهري مع أحد مزودات خدمة البريد الإلكتروني لكي نتمكن من امتلاك بريد إلكتروني خاص بنا !!! لقد كان العالم الافتراضي يتشكل في بيضة لم تفقس بعد.

وقبل ما يزيد عن خمسة عشر عاماً، عندما كان يسألك أحدهم عن أحدث الأخبار التي قرأتها أو سمعت عنها في تلك الفترة، كنا نحصر الإجابة في عدد من المعلومات التي لا تتجاوز أصابع اليد، لأنّه كان من السهل تذكر المعلومات التي مرت على الذهن خلال أسبوع من الزمن.

أتذكر عندما قرأت خبرا على الإنترنت في عام 1998م بانهيار أسهم متصفح الأنترنت "نافيجيتور" التابع لشركة "نت سكيب" وأن أسهم الشركة تم شراؤها من قبل شركة "أمريكان أونلاين"، ظل هذا الخبر يتداول في المواقع والصحف لعدة أسابيع، فلم يغب هذا الخبر من ذاكرة المهتمين في المجال التقني إلا بعد أن سمعنا عن خبر آخر في ذات العام بأن شركة "باي بال" تطلق خدمة الدفع الإلكتروني عبر الإنترنت تدعم عددا واسعا من البطاقات الائتمانية. كنّا

نتداول نفس الأخبار لمدة أيام لسبب بسيط جدًا وهو أنّ المصادر والقنوات التي توفر تلك المعلومات كانت محصورة بعدد الأصابع وأنّ الخبر يأخذ حقه وزيادة في البقاء بقائمة أبرز العناوين بمختلف القنوات الإعلاميّة!!

قبل دخول ثورة الإنترنت في العالم كان الإنسان المثقف يتلقى وبشكل يومي ما يقارب 50 كلمة من المعلومات الجديدة التي يقرأها عبر مختلف الوسائل الإعلامية سواء عن طريق الصحف أو المجلات أو قنوات التلفاز، ذلك العدد من الكلمات التي تحتوي على معلومات جديدة كان معقولاً لاستيعابه وتخزينه في ذاكرة العقل البشري.

أمّا في وقتنا الحاضر، فإن متوسط عدد الكلمات التي يتلقاها الإنسان بمختلف القنوات المعلوماتية تزيد عن 63 ألف كلمة من المعلومات الجديدة في اليوم الواحد، هذا العدد من الكلمات يوازي كتابا مكونا من 190 صفحة !!!

يشير أحد المصادر المهتمة بالثورة المعلوماتية إلى أنّه حتى نهاية عام 2003م كان إجمالي المعلومات المتوفرة في الإنترنت تساوي 5 هيكسابايت (5 مليون تيرابايت) من البيانات المخزنة في جميع المواقع في العالم، وفي وقتنا الحالي هذا الكم من المعلومات والبيانات تتم إضافته بمختلف وسائل التقنية الحديثة خلال 24 ساعة فقط !!

قبل عدة أعوام، كان البعض يطارد المعلومات للحصول عليها، واليوم أصبحت تلك المعلومات تطاردنا بل تجاوزت ذلك، وتمكنت من إرغامنا على تغيير أسلوب حياتنا اليومي بحيث أصبحنا نرتبط مع التقنيات الحديثة وكأنّها جزء لا يتجزأ من أجسادنا.

منذ حوالي ثلاثة أعوام (في بداية 2012 بالتحديد) قرأت إحصائية عبر موقع "جووجل" بأنّ عدد متصفحي الإنترنت الذين يستخدمون الهواتف الذكيّة تجاوزوا نسبة 45% من إجمالي مستخدمي الإنترنت في العالم ومع دخول عام2015 قفزت تلك النسبة إلى 78% من إجمالي المتصفحين في العالم.. وهي نسبة كبيرة فعلاً مقارنة بالأعوام السابقة.. ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة كي تصبح 95% خلال عام 2018م.

إنّ التضخم المعلوماتي الذي يحدث اليوم يعجز العقل البشري عن استيعاب حجمه، ليس فقط على مستوى قنوات التواصل الاجتماعي، بل على جميع القنوات الأخرى كـ (التلفزيون، الراديو، الصحف، المجلات والمطبوعات.. إلخ.. ولو قمنا بالتطرق إلى بعض قنوات التواصل الاجتماعيّة والتي تلعب دورًا كبيرًا في إنتاج المعلومات.. سوف يذهل البعض من النتائج، ويأتي في مقدمة تلك القنوات كل من (لا للحصر):

ـ ما يتجاوز 12 مليار بريد إلكتروني يتم إرساله كل ساعة حول شبكات العالم.

ـ أكثر من مليار رسالة كل ساعة يتم تداولها عبر "الواتس آب".

- ما يقارب 50 مليون صحفة إلكترونية يتم إنشاؤها كل ساعة في مختلف المواقع بالعالم.

ـ أكثر من 150 مليون مشاركة يتم إضافتها كل ساعة عبر "الفيس بوك".

ـ ما يزيد عن 18 مليون تغريدة يتم إضافتها كل ساعة عبر "التويتر".

- ما يزيد عن 14 مليون صورة تتم إضافتها كل ساعة على "الانستجرام".

ـ هناك ما يزيد عن 6 آلاف ساعة من المقاطع المرئية يتم رفعها في موقع "يوتيوب" كل ساعة.

اضرب هذا العدد في 24 ساعة، واضرب الناتج في 30 يوما، ومن ثم اضرب المحصلة في 12 شهرا، سوف نصاب بالتخمة الفكرية بمجرد أن نقرأ الناتج النهائي!! ولا أعتقد أن الحاسبة الرقمية سوف تستوعب الرقم الناتج عن تلك المعادلة !!

هذا التضخم غير المسبوق للمعلومات، شدّ انتباه عدد من الجمعيّات ومؤسسات المجتمع المدني، فتم إطلاق بعض الحملات التوعوية ببعض البلدان المتقدمة، بهدف توعية المجتمع في كيفية التعامل مع ظاهرة الإغراق المعلوماتي، ولكن وبسبب عدم توفر الدعم الكافي، لم تظهر تلك الحملات نتائج إيجابية، بل ظلت المشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم.

ففي إحصائية حديثة لإحدى الجامعات الأوروبية، أفادت بأنّ 98% من المعلومات التي تمر على الإنسان بشكل يومي قد لا تكون ضمن نطاق اهتمامه، بل كانت معظمها تمر مرورا سريعا بحيث لا يستطيع العقل البشري اختزالها. وقد تعرّض الكثير من الأفراد حول العالم بما يسمى بمتلازمة أرق المعلومات، فحصول الفرد على كم هائل من المعلومات بما يتجاوز قدرته على استيعابها أو الإفادة منها يسبب له تشويشا فكريا أو بما يُسمى بضبابيات البيانات التي يكون سببها توافر كميات هائلة من المعلومات غير المرغوب فيها.

فلم يعد الأمر متعلق بمؤسسات أو جهات لمعالجة هذه الظاهرة، نحن جميعًا بحاجة إلى شحذ قدراتنا المعرفية في مواجهة تدفق الكم الكبير من المعلومات إلينا، بحيث يكون لدينا أساليب وأدوات تساعدنا على انتقاء المعلومات التي تحقق لنا أكبر قدر من الفائدة المعرفية بما لا تؤثر على سير الحياة اليومية، فالطالب يهمه أن يقرأ من المعلومات التي تنمي قدراته ومعارفه وتعزز من إمكانياته لتحقيق التفوق الدراسي، والموظف أن يكون مطلعا على أحدث المعارف التي تنمي قدراته في القيام بواجبه العملي على أكمل وجه. وهكذا، كل فرد يستوجب عليه ألا يستقبل سوى المعلومات التي تفيده في تطوير وتنمية مختلف جوانب حياته، فغير ذلك يعتبر وقتا ضائعا ضمن ظاهرة الإغراق المعلوماتي. فكيف نتعامل مع ظاهرة الإغراق المعلوماتي؟ لا يختلف إثنان على أنّه لا يمكن لنا أن ننقطع عن العالم الافتراضي بكل سهولة، ولكن يمكن القول بأنّه باستطاعتنا تغيير أسلوب حياتنا بحيث نتحرر من سيطرة الإدمان الرقمي والعودة إلى ممارسة حياة متوازنة بين كل من العالم الافتراضي والعالم الواقعي. هناك عدة نصائح يمكن من خلالها..

أولاً: لا تحاول أن تكون "طرزان" أو "سوبر مان" في قنوات التواصل الاجتماعي.. الكثير من الناس المصابون بظاهرة الإغراق المعلوماتي هم من تسببوا لأنفسهم في الوصول إلى هذه المرحلة، حيث التأثيرات خارجية لا تفرض نفسها إلا بموافقة وقناعة الشخص، وتواجه هذه الفئة من المجتمع مشاكل القيام بواجباتهم اليومية سواء في العمل أو المنزل أو المدرسة بسبب انخراطهم بعدد كبير من قنوات التواصل الاجتماعي في وقت واحد كـ (الفيس بوك، التويتر، الإنستجرام، الواتس آب.. إلخ) إذ تبقيهم مشغولين ومعزولين عن محيطهم وواجباتهم في المجتمع الواقعي لمدة تصل إلى 10 ساعات في اليوم وهي مرحلة تسمى بالإدمان الرقمي.

فإذا كنت ضمن هذه الفئة، أنصحك بأن تقف وقفة جادة أمام نفسك، وذلك بأن تقلل من عدد الحسابات التي تمتلكها في قنوات التواصل الاجتماعية وتقتصرها على قناة أو قناتين بحد أقصى، وبعد ذلك قم بتخصيص أوقات محددة للدخول إلى تلك القنوات وبحد أقصى لا يتجاوز إجمالي ساعة لكل قناة في اليوم.. وهنا يجب علينا عدم الخلط بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعية كترفيه وبين استخدامها في نطاق التعليم أو العمل فقد تتفاوت ساعات اتصالك بالإنترنت بتفاوت طبيعة العمل من شخص إلى آخر.

ثانياً: اخلق روتينك اليومي بما يتوازن بين تعاملك مع المحيط الافتراضي والمحيط الواقعي.. حاول أن تعتاد على البقاء بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعية الافتراضية عندما يكون لديك أولويات في محيطك الواقعي كـ (العمل، الأسرة، الدراسة.. إلخ).

ثالثاً: صنف مصادرك التي تستقيها من مواقع ووسائل الإعلام الاجتماعية حسب الأولويات وحدد أهدافك بشكل واضح:

هل أنت تقود أم تُقاد؟ هل دخلت يوماً في دوامة الانتقال بين قنوات التواصل الاجتماعية دون أن يكون لديك القرار بالإكتفاء والتوقف؟ هناك الكثير من الناس لا يستطيعون السيطرة على قرار لحظة التوقف التي تخرجهم من تواصلهم الرقمي، فتجدهم ينقادون لا شعورياً للدخول إلى المواقع الإلكترونية أو قنوات التواصل الاجتماعية والسبب أنّه لا يكون لديهم هدف واضح وسبب رئيسي من دخولهم.

ولهذا يستوجب على هذه الفئة أن تقوم بترتيب المعلومات وفقاً للأولويات، وأن يكون لديها أهداف وأسباب واضحة، اقرأ أو شارك في الجوانب التي تساهم في تنمية ذاتك، وإلجأ إلى البنود ذات الأولويّة المنخفضة إذا كان وقتك يسمح بذلك وتجنب الغوص في عمق المواضيع التي خارج نطاق اهتمامك لأنّها قد تقودك إلى طريق لا نهاية له.

رابعاً: تجاهل قراءة المعلومات المكررة الكثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعية؛ يقومون بقراءة نفس الخبر في أكثر من مصدر، وخاصة عند حدوث خبر هام، تجد أنّ المئات والآلاف من المصادر تقوم بإدراج نفس الخبر في ذات الوقت، فلا يوجد من معنى لقراءة معلومات مكررة، حاول أن تعتمد مصدرك الخاص بحيث يوفر عليك الوقت والجهد.


خامساً: ابتعد قدر الإمكان عن منصّات الحوار الرقمية غير الهادفة :

يقضي عدد كبير من مستخدمي قنوات التواصل الاجتماعية والمواقع الإلكترونية وقتهم أمام شاشات الدردشة الحوارية لساعات طويلة في اليوم، مما يتسبب في ضعف بطاقتهم الذهنية التي تؤثر سلباً على ممارسة حياتهم مع المجتمع بشكل طبيعي، وتشير عدد من الدراسات التي أجريت في الإدمان الرقمي إلى أنّ أحد أهم أسباب الجلوس لساعات طويلة أمام قنوات الحوار المباشرة هو الفراغ والملل والوحدة، ولهذا، يستوجب على هذه الفئة من المجتمع أن تزيد من

مشاركتها في تواصلها الاجتماعي كقضاء وقت أطول مع أفراد الأسرة وزيارة الأقرباء والأصدقاء والمرضى.. إلخ.

سادساً: ضع بصمتك الرقميّة بشكل إيجابي وابتعد عن السلبية؛ فقد أكّدت دراسة أجرتها إحدى الجامعات الإمريكية أنّ المغردين الذين يشاركون بتغريدات سلبية يقضون ساعات أطول في تتبع ردة فعل تلك التغريدات ويستمرون في تمردهم السلبي لعدة ساعات دون أن يكون لديهم هدف واضح من تلك التغريدات، وعادة ما يكون أولئك المغردون متخفون بهوية وهمية غالباً ما ينتهي بهم الأمر إلى تأثر حياتهم الاجتماعية بالأسلوب الذي اتبعوه في تواصلهم الرقمي غير الهادف.

ومن الجانب الآخر، فإنّ المشاركة الإيجابية للفرد بالمجتمع الرقمي تعزز من ثقته أمام محيطه الافتراضي، فتجده يشارك بهويّته الحقيقية بدون تردد، فالحضور الإيجابي يزيد من جمهورك الإفتراضي وقد يمتد إلى أبعد من ذلك ويتحول الجمهور الافتراضي إلى جمهور واقعي يعمل على توثيق بصمتك الإيجابية أينما ورد ذكرك.

ماذا بعد؟ الكثير منّا قد سأل نفسه هذا السؤال، الإغراق الرقمي الذي يشهده العالم في تضاعف مستمر، وقد نعيش السنوات القادمة في ثورة رقمية غير مسبوقة، لم تعد المعلومات التي نقرأها محصورة على هواتفنا الذكية فقط، فمصطلح الذكاء تجاوز مفهوم الحاسب الآلي وأصبح يرافق معظم الأجهزة الإلكترونية، قبل أعوام قريبة اكتسحت عدة أجهزة إلكترونية ذكيّة الأسواق العالمية كـ التلفاز الذكي والثلاجة الذكيّة والغسالة الذكيّة، وبالأمس شهدنا إطلاق السيّارة الذكيّة والقطار الذكي والمدرسة الذكيّة والمنزل الذكي والمدينة الذكيّة، كل هذه التقنيات تتعامل بشكل أساسي مع المعلومات. فلنا أن نتصوّر الكم الهائل من البيانات التي تتطلبها هذه المنظومة لكي تلبي الأهداف والاحتياجات التي صنعت من أجلها. ربما في المستقبل القريب سوف نعيش في عالم ذكي. وهنا أقف عند هذا الحد لأترك لكم المجال في الانطلاق بفكركم نحو المستقبل والإجابة عن السؤال الذي بدأناه في بداية المقال، ماذا بعد؟
  • Follow Bader:
  • http://www.facebook.com/bader.alnadabi
  • http://www.twitter.com/baderalnadabi
  • http://www.linkedin.com/in/baderalnadabi
  • http://www.youtube.com/user/majalisna

Bader AlNadabi

AlNadabi

Share this page

Follow us

  • http://www.facebook.com/bader.alnadabi
  • http://www.twitter.com/baderalnadabi
  • http://www.linkedin.com/in/bader-alnadabi-8837788a

1997-2018 © alnadabi network